آقا بزرگ الطهراني
12
طبقات أعلام الشيعة
أمّا علمه : فأحسن معرفة دقايق الآيات ونكاتها ونكات الأخبار ، بحيث تتحيّر العقول عن كيفيّة استخراج تلك الجواهر عن كنوزها ، وترجع الأبصار حاسرة عن إدراك طريقة استنباط إشاراتها ورموزها . ولم يسئل قطّ عن آية وخبر إلّا وعنده منهما من الوجوه والاحتمالات والبواطن والتأويلات ما تتعجّب منه العقول ، ولم تحم حوله لطائف أفكار الفحول ؛ كانّه فرغ من التأمّل والنظر فيه الآن ، وعكف عليه فكرته برهة من الزمان . كلّ ذلك بما لا يخالف شيئا من الظواهر والنصوص ، ولا يختلط بمزخرفات جماعة هم للدين لصوص . وهو مع ذلك ضنين بإظهاره ، مصرّ على كتمانه . وأمّا العمل : فهو دائم الذكر ، طويل الصمت والفكر ، قانع من الدنيا من المآكل والملابس وغيرها بأدون ما يمكن التعيّش به ؛ مع شدّة الكياسة في مأخذه ؛ لاستجماعه شرائطه التي تأتي في الباب الثاني ، مواظب لكلّ سنّة يتمكّن منها ، مؤدّ لميسور دقائق حقوق الإخوان التي سنفصّلها ، أشدّ من رأينا بلاء في الدين وغيره ، وأشكرهم بمراتبه عليه وأصبرهم فيه . ما رؤي متكلّما في شئ من أمور الدّنيا إلّا بعد ملاحظة رجحان كثير . ولا يشير إلى أحد بسوء في فعله أو قوله في حياته أو مماته . ولم يذكرهم إلّا بخير . وبالجملة فوجوده آية من آيات وجود الأئمّة الذين هم الآية الكبرى . وعمله وطريقته مثبت لإمامتهم وجدانا ، من غير ترتيب صغرى وكبرى . تذكّر اللّه رؤيته ، ويزيد في العلم منطقه ، ويرغّب في الآخرة عمله . ما قام أحد من مجلسه إلّا بخير مستفاد جديد ، وشوق إلى الثواب ، وخوف من الوعيد . لم يتّعش قطّ بلا ضيف ، ولم ير منه أذى على أحد ولا حيف . ولا يختار من الأعمال المندوبة إلّا أتعبها ، ولا يأخذ من السنن إلّا أحسنها . أفعاله منطبقة على كلامه ، وكلامه مقصور على ما خرج عن إمامه وهو - دام علاه - سبب تأليف هذا الكتاب إلى آخر كلامه قدس سرّه ! » . توفّي بالحائر الشريف عند طلوع الفجر يوم الخميس ، رابع ربيع الأوّل سنة ثمانية عشر وثلاثمائة ( 1318 ه ) ، وحمل إلى النجف ، ودفن في مقبرة السيّد صدر الدين في الحجرة